محمد غازي عرابي
803
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
يراه إلا في الصور ، لأنه سبحانه نور محض لا صورة له ، وإنما الوجود العياني صورته بل صوره المشعة عنه ، أنشد عبد الغني النابلسي : واعلم بأنك لا ترى منه سوى * ما أنت رائيه من الأشياء وأنشد ابن عربي : وما تجلى لشيء من خليقته * إلا ويشهد أن الحق مشهود من عين صورته لا من حقيقته * فالأمر والشأن موجود ومفقود لأننا بعيون الوجه نبصره * وكلنا وجهه والوجه محدود الدار داران دار الدار يعمرها * دار اللطيف فما في الكون تجريد [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 23 إلى 25 ] وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 23 ) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ( 24 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 25 ) [ لقمان : 23 ، 25 ] المرجع رجوع الصفة إلى الاسم والاسم إلى الذات ، والذات عين الجميع حيث الهوية الأحدية الصرفة سابقة للجميع محيطه بالجميع باقية بعد الجميع ووارثة للجميع ، فأنى يؤفكون ؟ [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 26 ] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 26 ) [ لقمان : 26 ] الغنى الاستغناء ، واللّه غني لا حاجة له في شيء ولا إلى أحد ، وما خلق سبحانه الوجود العياني إلا ليظهر به ، والوجود قائم به كما يقوم الفقير بمال الغني ، والغنى من صفات الروح الفاعل ، فلهذا الروح العلم أولا والعمل ثانيا ، والعمل الظاهر أي الحركة من فعله وإلا فالكون موات ما لم يحركه الروح . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 27 ] وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 27 ) [ لقمان : 27 ] الكلمات ظواهر هذا العالم أي مظاهره ، وقال ابن عربي : المظاهر غير الظاهر ، وهو حد حده ابن عربي للعالم الذي لولا اللّه ما كان ، وقال أيضا : أوضحت سرا لم يزل أهل الحق يغارون على مثل هذا أن يظهر لما فيه من رد دعواهم أنهم الحق ، فإن الحق لا يغفل ، والعبد لا بد له أن يغفل عن شيء دون شيء . وكلمات اللّه لا تحصى كما النجوم ، والإنسان كلمة إلهية لأنه صورة إلهية ، فالكلمة لها وجه إلى الروح ووجه إلى الجسد ، وهذا ما مثله المسيح ، والحقيقة أن كل مخلوق كلمة ،